الجمعة 15 ذو الحجة 1432 هـ الموافق لـ: 11 نوفمبر 2011 19:11

- من آداب الطّريق وحقوقه

الكاتب:  عبد الحليم توميات
أرسل إلى صديق

الجمعة 16 ذو الحجّة 1432 هـ/ 11 نوفمبر 2011 م

الخطبة الأولى:[بعد الحمد والثّناء]

فإنّ من أعظم الآيات التي أنزلها الله في كتابه، وضمّنها محكم خطابه، قوله عزّ وجلّ في سورة النّحل:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90].

قال ابن مسعود:" هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب "، كأنّه يقول: إنّه إذا اختلطت عليك الأمور، والتبست عليك الطيّبات بالشّرور، فضعها على هذا الميزان، فإن كان يؤدّي إلى العدل والإحسان فاعلم أنّ الله أمر به، وإن كان فيه إثم وبغي ومنكر فاعلم أنّ الله قد نهى عنه.

وممّا يَلفت النّظر: أنّ الله ذكر هذه الآية في سورة تسمّى سورة النّعم، وأعظم نعمة هي أن تكون مأمورا بالعدل والإحسان، منهيّا عن كلّ ما يُبعد عن الرّحمن.

وإنّ العدل والإحسان قد قرّبه إليك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في أوجز عبارة، وأناخه ببابك في أحسن إشارة، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي جحيفة السّوائي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( أَعْطِ كُلّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ )). فحقّ الله على العبيد توحيده وإخلاص العبادة له، وحقّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تعظيمه وإخلاص المتابعة له، وحقّ القرآن العمل به والدّعوة إليه، وحقّ الخلق الإحسان إليهم واجتناب إيذاءهم.

ولكنّني لن أحدّثكم اليوم عن هذه الحقوق، إنّما سأحدّثكم عن حقّ يكاد أن تذهب به رياح النّسيان، شاب عليه الكبار وشبّ عليه الولدان، ولسان صاحب الحقّ يقول: لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد، أليس منكم رجل رشيد !؟

إنّه حقّ الطّريق معاشر المسلمين .. الطّريق الّذي تطرقه أقدام الصّغير والكبير، الغنيّ والفقير، العظيم والحقير، الرجال والنّساء، في كلّ يوم عشرات المرّات، ما هي حقوقه ؟ وما هي آدابه ؟

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ ! )) فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ؟ قَالَ: (( فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا )) قَالُوا: " وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ ؟" قَالَ: (( كَفُّ الْأَذَى وَرَدُّ السَّلَامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَغَضُّ الْبَصَرِ )).

ونستفيد من هذا الحديث أمورا كثيرة منها:

1- الفائدة الأولى: رحمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأمّته، كما قال تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128]، هذا الذي يدركه من يعرف النبيَّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم أوّل ما يسمع هذا الحديث، لا أن يرى في الأمر شدّة قساوة، وضياعا للذّة والحلاوة.

لقد حذّرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الجلوس في الطّرقات لأنّه صلّى الله عليه وسلّم يُدرك تماما خطورة تلك المجالس، التي طالما يُرتكب فيها الحماقات، وتُدبّر فيها المؤامرات، وتتردّد فيها الإشاعات، وتُنتهك فيها الحرمات، وهو الذي قد أخذ عهدا على أن لا يدع أمرا يقرّبنا إلى الجنّة إلاّ أمرنا به، وما من أمر يقرّبنا من النّار إلى نهانا عنه..

2- الفائدة الثّانية: أرجو منكم أن تتأمّلوا هذا الحديث جيّدا، ثمّ تقارنوا بين واقع الأمس واليوم، و ستجدون فروقا عدّة أذكر منها ثلاثة فقط:

أ) انظروا أيّها المؤمنون ! انظروا إليه صلّى الله عليه وسلّم وهو ينهى أصحابه رضي الله عنهم، أبرّ النّاس قلوبا وسريرة، وأحسنهم أخلاقا وسيرة، يأتيهم وينهاهم عن الجلوس في الطّرقات، مع أنّ حديثهم كلّه خير وإحسان، وفضيلة وإيمان، فقد جاء في رواية أخرى عند الإمام مسلم عن أبي طلْحَةَ قال: كُنَّا قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: (( مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ ؟! اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ ! )) فَقُلْنَا: إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ، وَنَتَحَدَّثُ ؟ قَالَ: (( إِمَّا لَا فَأَدُّوا حَقَّهَا غَضُّ الْبَصَرِ وَرَدُّ السَّلَامِ وَحُسْنُ الْكَلَامِ )).

ب) أناشدكم الله على أن تسألوا أنفسكم، ما هي الطّرقات التي نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه عن الجلوس فيها ؟

إنّها مدينة وسط صحراء جرداء، أرضها رمال، وحواليك بيوت من طين، ويمرّ بك بين الفينة والأخرى نساء عليهنّ جلابيب سود، صالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله، لا تسمع خلاله مزمار شيطان، ولا نهيق فنّان، مجتمع لم يخلق الله تعالى أطهر منه، في طرقات هذا المجتمع يأتي النّهي الصّريح: (( إِيّاكُم والجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ ))..فكيف الأمر في طرقات اليوم ؟!

ج) الفرق الثّالث أنّهم كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولهم هيبة ترعب الشجعان، وكان منهم من يفرق منه الشّيطان، فكيف في وقت ذهبت فيه هيبتنا ولم تعد تُسمع فيه كلمتنا.

3- الفائدة الثّالثة: أوّل حقوق الطّريق كفّ الأذى: وهو نوعان:

- الأوّل: كفّ الأذى عن النّاس، وهو من أعظم صدقات النّاس التي ندعو إليها اليوم، كنّا نطالب بالارتقاء إلى شرفات التّضحية، والدّعوة إلى هذا الدّين، ولكنّنا الآن لا نطالب النّاس أن يضحّوا بأموالهم وأنفسهم، ولكنّنا نطالبهم بكفّ أذاهم عن الخلق، فهو من أعظم الصّدقات.

روى الإمام أحمد عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ : يا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قال: (( إِيمَانٌ باللهِ تعالى، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ )). قلتُ: يا رسولَ اللهِ، فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: (( أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا )). قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَجِدْ ؟ قَالَ: (( تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ )) قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ ؟ قَالَ: (( كُفَّ أَذَاكَ عَنْ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَنْ نَفْسِكَ )).

فكفّ الأذى عن النّاس من أهمّ حقوق الطّريق، فلا تتعرّض لأحد بما يكره، ولا تذكر أحدا من النّاس إلاّ بخير، ولا تهزأ بالمارّة، ولا تسخر من راكب ولا ماشٍ، لا من شيخ أحدب، ولا من عجوز شوهاء، ولا تتُشر بيدك او عينك إلى أحد وإيّاك أن تكون ممّن توعّدهم الله تعالى بقوله:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة:1]، الهمزة: الذي يطعن في النّاس باللّسان، واللّمزة الذي يطعن فيهم بالإشارة إليهم بالعين أو باليد، ولا تفعل ما يفعله السّفهاء والأراذل من قول فاحش ونقد لاذع.

تنبيه:

وأغتنم الحديث عن حقّ الطّريق فأنبّه إخواننا الّذين نُشهِد الله على حبّهم، والتشرّف بقربهم، إلى اجتناب أذى النّاس بمراكبهم وسيّاراتهم، فذاك يُعيق طريقا، وذاك يسدّ على الرّجل باب داره أو محلّه، وغير ذلك.

فاعلم أنّ في ذلك مفسدتين اثنتين:

الأولى: أنّ فيه تنفيرا للمسلمين، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( بَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا )). وعلّمنا ربّنا سبحانه أن نسأله قائلين:{رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا}، فكيف نتحوّل إلى فتنةٍ للّذين آمنوا !

الثّانية: أنّ سدّ الطّريق من محبطات الأعمال، فقد روى أبو داود والإمام أحمد عن معاذ بن أنس الجهنيّ رضي الله عنه قال:

غَزَوْنَا معَ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم غَزْوَةَ كَذَا وَكَذَا، فَضَيَّقَ النَّاسُ الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ النّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم مُنَادِيًا فَنَادَى: (( مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا، أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا، فَلَا جِهَادَ لَهُ )) [قال الشّيخ الألباني: حسن].

النّوع الثّاني من أنواع كفّ الأذى: إماطته وإزالته من الطّريق، وهو من شعب الإيمان.

فقد روى مسلم عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ )).

وهو من الصّدقات المكفّرة للسيّئات، فقد روى أبو داود - وأصل الحديث في مسلم - عن أبي ذرٍّ عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ ابْنِ آدَمَ صَدَقَةٌ: تَسْلِيمُهُ عَلَى مَنْ لَقِيَ صَدَقَةٌ، وَأَمْرُهُ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُهُ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُهُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ... )).

وهو من أسباب الغفران ودخول الجنان، فقد روى مسلم عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ )).

وروى مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: (( عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنْ الطَّرِيقِ وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ )). فعلّق النّجاة بكفّ الأذى وعلّق السّوء برؤية الأذى ولا يميطه.

وروى مسلم أيضا عن أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قلْتُ يا نبِيَّ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ، قال: (( اعْزِلْ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ )).

ومن لم يُمِط وينفعْ، فعليه على الأقلّ ألاّ يضرّ ! وإنّ الأحاديث طافحة في ترتيب العقوبة على أذى المؤمنين في طرقاتهم، ومنها: (( مَنْ آذَى المُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ )).

4- الفائدة الرّابعة: ردّ السّلام.

فإفشاء السّلام سنّة مستحبّة، أدب كريم يتخلّق به أبناء الإسلام، وحقّ يحفظونه لإخوانهم، يغرس المحبّة ويزرع الألفة، ويغسل الأحقاد، ويزيل الأمراض، ويستجلب مغفرة الله ورضوانه، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: (( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ )).

وأدب السلام أن يسلّم الصّغير على الكبير، والقائم على القاعد، والرّاكب على الماشي.

وأن يكون على من تعرف وعلى من لا تعرف، فقد روى البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ عمْرٍو رضي الله عنهما أنّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قالَ: (( تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ )) وإنّه من علامات قرب السّاعة ان يكون السّلام على المعرفة.

أمّا ردّ السّلام فهو واجب وفرض على الكفاية، كما قال تعالى:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} [النساء:86].

الخطبة الثّانية:

الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عُدوان إلاّ على الظّالمين، أمّا بعد:

فالفائدة الخامسة: أنّ من حقوق الطّريق: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

وهذه هي المصيبة التي عمّت وطمّت، نرى المنكر بأعيننا، ونسمعه بآذاننا، ولا ننكره، ونسينا ما حفظناه ونحن صغار، فكبرنا ولم يكبر معنا قولُ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ )). [رواه مسلم عن أبي سعيد].

والتّغيير باليد لوليّ الأمر، كلّ بحسبه، فوليّ الصبيّ له أن يغيّر المنكر بيده، ووليّ المرأة كذلك، والوليّ العامّ على المسلمين.

والتّغيير باللّسان لمن كان له علم وحلم.

فمن عجز عن ذلك فلينصرف وليدع الطّريق، وذلك أضعف الإيمان، ولكنّه من الإيمان.

قال تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} [النساء:140].

أمّا أن يظلّ قابعا في مكانه، مضيّعا لإيمانه، فهذا ليس من خلال أهل الإيمان.

فلا تتعجّبوا من نزول البلاء، وعدم ارتفاع الدّعاء إلى ربّ الأرض والسّماء، فقد روى التّرمذي وغيره عن حذيفةَ بنِ اليَمَانِ رضي الله عنه عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ )).

تنبيه آخر: وهنا لا بدّ أن أذكّر الإخوان والآباء، والجمعيّات ولجان الأحياء إلى ضرورة النّهوض بهذا الواجب، وكتابة عرائض احتجاجيّة، يرفعونها للسّلطات، عليها توقيعات المواطنين والمواطنات، وذلك للصدّ من مظاهر الانحراف، وما يُخلّ بالأمن في الطّرقات.

فقد علت الأصوات، وبُحّت الحناجر، من ظاهرة قطّاع الطّرق بالسّيوف والخناجر، ولكن لا ينفع الكلام ولا النّواح، ولا العويل ولا الصّياح، بل لا بدّ من أن الأحياء جميعهم برفع هذا الأمر للسّلطات.

وإنّ الله قد توعّد هؤلاء فسمّاهم محاربين، فقال:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33].

روى الطّبريّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال في تفسيره للآية:" المعنى: ( أنْ يُقَتَّلوا ) إن قتلوا، ( أو يصلّبوا ) مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال، ( أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف ) إن اقتصروا على أخذ المال، ( أو ينفوا من الأرض ) إن أرعَبوا ولم يأخذوا شيئا ولم يقتلوا ".

الفائدة السّادسة: فمن حقوق وآداب الطّريق، غضّ البصر.

{قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور:30].

ففتنة النّساء فتنة عمياء، لا يكاد يسلم من أذاها، ولا ينجو من خطرها إلاّ من عصمه الله، طوفان لا ينجو منه أحد: {لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ}.

وفي صحيح البخاري عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قالَ: (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاء )).

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيدٍ الخدْرِيِّ عن النّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( اتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ )).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه لم يكن كفر من مضى إلا من قبل النساء.

وعن سعيد بن المسيب قال: ما أيس الشيطان من أحد قط إلا أتاه من قبل النساء.

بلاء ابتلينا به، ومحنة أذهلت العقول، وصهرت أفئدة الرجال الفحول، وتلاشى معها إيمان كثير من المسلمين، وصرفت قلوب آخرين عن البر والتقوى.

وفي الصحيحين من حديث أَبي هريرةَ عن النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم: (( إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ )).

فإنّ النّظر بريد الزنا، قال الشاعر:

كلّ الحــوادث مبدأها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة فتكت  في قلب  صاحبها *** فتك السّهام  بـلا قوس ولا وتر

والعبــد ما دام ذا عيـن يقلبها *** في أعين الغير موقوف على الخطر

يسر ناظـــره ما ضـرّ خاطره *** لا مرحبا بسرور عاد بالضــرر

فتذكّروا قول الله تعالى:{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الاْعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ}[غافر:19].

قال ابن عباس:" هو الرجل ينظر إلى المرأة فإذا نظر إليه أصحابه غضّ بصره, فإذا رأى منهم غفلة تدسس بالنظر ".

وقال مجاهد: هي مسارقة نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه.

فلا تجعل الله أهونَ النّاظرين إليك.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنّه هو الغفور الرّحيم.

عبد الحليم توميات

آخر المواضيع:

الذهاب للأعلي